الشيخ محمد الصادقي

215

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

إليها بالمنهج المتميز التربوي الإسلامي . صحيح أنه « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » ولكنها ليست لتعني من الإعداء بالمثل الظلم في الشهادة حتى وإن ظلموا هم إياكم في شهادة ، فإنما الاعتداء بالمثل فيما يجوز في أصله أحياناً ، والشهادة الزور لا يبررها أي مبرر على الإطلاق . فالعدل في الشهادة وسواها هو الأساس في شرعة اللَّه ، والاعتداء بالمثل عدل ، ولكنما الشهادة بغير حق ليس من العدل حتى في ظروف الشنآن . ففي الظروف الشائنة التي كانت الجاهلية وسواها تَظلم دون سبب هنا يأمر اللَّه تعالى بالعدل في ظرف الشنآن ، قياماً للَّه‌في الشهادة بالقسط وهو فوق العدل ! . فحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية الساحقة في كل دورها وعصورها - بما فيها من الجاهلية المتحضِّرة - ندرك المدى المتطاول بين المنهج الرباني ، وسائر المناهج المتحللة عن وحي السماء ! . وحين نجد وصايا وهتافات للعدل حتى في رعاية الحيوان ، لا نجدها إلَّا في عالم المُثُل والتخيلات ، فمهما كانت الألفاظ بارقة ، ولكنها عن معانيها فارغة ، ولا نجد الواقعية الخُلُقية السامقة فردية وجماعية إلَّا في هذا النظام الرباني القرآني ! . قد يهتف ألوف من الهاتفين بالعدل وما أشبه ، ولكن لا تعدو أهتافهم الأسماع إلى القلوب وإلى الواقع ، حيث الهاتف هارف خارف لكونه فارغ القلب والقالب عما يهتف به ، ولا تصدر هتافهم عن مصدر رباني ، فلا سلطان لهتافاتهم على القلوب والضمائر . فالوصايا الربانية من الربانيين وحياً وسواه تحمل مع الشعار الشعور ومع الشعور الشعار ، ومعهما تطبيق الموصي ما به يوصي ، والتضحية في سبيل تحقيق الوصية بكافة المحاولات الممكنة الصالحة . أجل « اعْدِلُوا » ولماذا ؟ ل . . ولأنه « أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » . . فترى ترك العدل قريب للتقوى حتى يصبح فعله « أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » ؟ . قد تكون « أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » مجاراةً مع تاركي الدل ، أنه لو كان ترك العدل قريباً للتقوى